الشيخ محمد رشيد رضا
365
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً تعليل لتوقع الفتنة من الذين كفروا اي كان شأنهم أنهم أعداء مظهرون للعداوة بالقتال والعدوان ، فهم لا يضيعون فرصة اشتغالكم بمناجاة اللّه تعالى ولا يراقبون اللّه ولا يخشونه فيكم فيمتنعوا عن الايقاع بكم ، إذا وجدوكم غافلين عنهم ، والعدو يستوي فيه الواحد والجمع بعد هذا أقول ان القصر في هذا الآيات مجمل وانما اختلف العلماء في المراد منه لأن الآية التي بعد هذه الآية تبين لنا نوعا أو أنواعا من قصر الصلاة المعروفة في الاسلام فقيل إنها مبينة لما قبلها ، ورد بعضهم هذا بأن الأصل ان تفيد كل آية من الآيتين معنى جديدا تفاديا من التكرار ، وأنهم كانوا يفهمون من القصر نقص عدد الركعات بدليل حديث ذي اليدين المشهور إذ قال : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللّه ؟ ( وهذا دليل ضعيف ) ومن أسباب الخلاف ما ثبت في السنة وجرى عليه العمل من العصر الأول إلى الآن من قصر الصلاة الرباعية . والسنة مبينة لإجمال القرآن ، ولا يمكن ان تعرف الاصطلاحات الشرعية من ألفاظ اللغة بدون توقيف ، والقرآن نفسه لم يبين لنا الا كيفية القليل من العبادات كالوضوء والتيمم فالسنة هي التي بينت كيفية الصلاة وكيفية الحج وغير ذلك . وانني أذكر ما قاله الأستاذ الامام في هاتين الآيتين قبل ان أفسر الثانية منهما ثم أذكر ملخص ما ثبت في السنة في قصر الصلاة وصلاة الخوف ثم أبين معنى الآية الثانية وكيفيات صلاة الخوف التي وردت الأستاذ الامام : الكلام لا يزال في الجهاد وقد مر في الآيات السابقة الحث عليه لإقامة الدين وحفظه ، وايجاب الهجرة لأجل ذلك وتوبيخ من لم يهاجر من أرض لا يقدر فيها على إقامة دينه ، والجهاد يستلزم السفر ، والهجرة سفر ، وهذه الآيات في بيان أحكام من سافر للجهاد أو هاجر في سبيل اللّه إذا أراد الصلاة وخاف ان يفتن عنها ، وهو انه يجوز له ان يقصر منها وان يصلي جماعتها بالكيفية التي ذكرت في الآية الثانية من هذه الآيات . ( قال ) والقصر المذكور في الآية الأولى هنا ليس هو قصر الصلاة الرباعية في السفر المبين بشروطه في كتب الفقه فذلك مأخوذ من السنة المتواترة ، واما ما هنا فهو في صلاة الخوف كما ورد عن بعض الصحابة وغيرهم من السلف ، والشرط فيها على ظاهره ، والقول بأنه لبيان الواقع